فخر الدين الرازي
61
تفسير الرازي
كلا لما يقض ما أمره ( 23 ) فلينظر الانسان إلى طعامه ( 24 ) أنا صببنا الماء صبا ( 25 ) المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه ، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حداً معلوماً . قوله تعالى ( كلا لما يقض ما أمره ) واعلم أن قوله ( كلا ) ردع للانسان عن تكبره وترفعه ، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد ، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر ، وفى قوله ( لما يقض ما أمره ) وجوه ( أحدها ) قال مجاهد لا يقضى أحد جميع ما كان مفروضا عليه أبدا ، وهو إشارة إلى أن الانسان لا ينفك عن تقصير البتة ، وهذا التفسير عندي فيه نظر ، لان قوله ( لما يقض ) الضمير فيه عائد إلى لمذكور السابق ، وهو الانسان في قوله ( قتل الانسان ما أكفره ) وليس المراد من الانسان ههنا جميع الناس بل الانسان الكافر فقوله ( لما يقض ) كيف يمكن حمله على جميع الناس ( وثانيها ) أن يكون المعنى أن الانسان المترفع التكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر ، إذ المعنى أن ذلك الانسان الكافر لم يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله ، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته ( وثالثها ) قال الأستاذ أبو بكر بن فورك : كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الايمان وترك التكبر ، بل أمره بما لم يقض له به . واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس ، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى ههنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ مما يحتاج الانسان إليه . فقال ( فلينظر الانسان إلى طعامه ) الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ، ولا شك أنه موضع الاعتبار . فإن الطعام الذي يتناول الانسان له حالتان ( إحداهما ) متقدمة وهو الأمور التي لابد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود ( والثانية ) متأخرة . وهي الأمور التي لابد منها في بدن الانسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول ، ولما كان النوع الأول أظهر للحس ( 1 ) وأبعد عن الشبهة ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره ، لان دلائل القرآن لابد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق ، فلا بد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة ، وهذا هو المراد من قوله ( فلينظر الانسان إلى طعامه ) واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض . فالسماء كالذكر . والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزول القطر . قوله ( أنا صببنا الماء صبا ) وفيه مسألتان :
--> ( 1 ) في الأصل ( أظهر للجنس ) ولعل ما ذكرته هو الصواب . ولا سيما إذا قورن بما يأتي في السطر التالي .